اشتهر سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه - من ضمن ما اشتهر به من فضائل ومناقب - بعلم الأنساب، بل ووصل فيه للمرتبة الأسمى بين أقرانه وأهل زمانه، وقد سخر هذا العلم في خدمة الإسلام بشكل عام، ولكن لم يحدث أن احتاج لاستخدامه في خدمة ظاهرة أو كبيرة للإسلام، وذلك بالطبع لا ينقص من قدره ومكانته وجهوده رضي الله عنه في خدمة ونصرة الإسلام.
ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليها من رشق بالنبل" ، فأرسل إلى ابن رواحة، وكعب بن مالك رضي الله عنهما، فلم يعجبه هجاءهما، فأرسل إلى حسان بن ثابت رضي الله عنه يطلب منه هجاء قريش، فقال حسان: والذي بعثك بالحق، لَأَفْرِيَنَّهم بلساني فَرْيَ الأديم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسباً، حتى يخلص لك نسبي"
فأتاه حسان، ثم رجع، فقال: يا رسول الله، قد خلص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: " إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله "
فالسؤال عما قدمه أبو بكر- رضي الله عنه- للإسلام من خلال علم الأنساب مما لا يترتب عليه كبير طائل وأقرب إلى الترف العلمي الذي لا طائل منه.
ولعلم الأنساب أهمية كبيرة في الشرع الإسلامي:
1- العلم بنَسَب النبي صَلَّى الله عليه وسلم وأنه قرشي هاشمي كان بمكة وهاجر إلى المدينة، إذ العلم بهذا ضروري لصحة الإيمان ولا يعذر مسلم في الجهل به.
2 - التعارف بين الناس حتى لا ينتسب أحد إلى غير آبائه، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا " ( سورة الحجرات، الآية: 13)
مما يترتب عليه في الشريعة الإسلامية أحكام الورثة، وأحكام أولياء المرأة في الزواج، وأحكام الوقف، وأحكام العاقلة في الدية، وغير ذلك.
3 - اعتبار النَسَب في الإمامة، حيث الإجماع على أن يكون الإمام قرشيّاً، فقد أكد العلماء دوماً أن الهاشمي أولى بالإمامة من غيره من قريش.
4 - اعتبار النَسَب في كفاءة الزوج للزوجة في النكاح عند الشافعي رضي الله عنه .
ومعرفة الأنساب من أعظم النعم التي أكرم الله تعالى بها عباده، لأن تشعب الأنساب واختلاف القبائل أحد أسباب حصول التعارف والألفة بين الناس " وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا " ( سورة الحجرات، الآية: 13)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم قال: " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر"
وعلم الأنساب ليس للتمييز العنصري أوالتمايز الطبقي، وإنما هو للتهذيب الاجتماعي والأخلاقي، وهو الإطار الذي يجمع أبناء القبيلة حين لم يكن العرب يعرفون معنى الوطن، وهو أيضاً وسيلة سياسية إدارية لتجميع القبائل ضد العدو الخارجي.