في ذلك حكم كثيرة منها:
1. ابتلاء هؤلاء الناس ليرفع الله بهذا الابتلاء درجتهم إن صبروا واحتسبوا ورضوا بقضاء الله.
فإن الحياة الدنيا قائمة على الابتلاء والامتحان أصلاً، فلا بد لكل واحد منا أن يختبره الله بنوع من الاختبار سواء في صحته أو مرضه ، في تمام خلقته أو نقصها، في غناه أو فقره، في أهله أو ولده إلى آخر صور الابتلاء.
قال تعالى (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)
والواجب على العبد هو أن يصبر على امتحان الله له ويقوم بحق الله في هذه البلاء، فإن حصل ذلك من عوضه الله درجات وحسنات في الآخرة ونعماً ورضا في الدنيا.
فقد يبتليه في جسده ويعطيه مالاً وذرية صالحة، أو يبتليه في عينيه ويعطيه في المقابل ذاكرة قوية يرفع بها درجته ومنزلته بين الناس.
أما في الآخرة فإن الصابر منهم يعطيه الله أجره بغير حساب حتى يغط بهم الناس في ذلك المقام العظيم.
جاء في الحديث عند البخاري (إنَّ اللَّهَ قالَ: إذا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بحَبِيبَتَيْهِ، فَصَبَرَ؛ عَوَّضْتُهُ منهما الجَنَّةَ. يُرِيدُ عَيْنَيْهِ).
2. أن يشكر من أتم الله له خلقه وأوجده سليماً معافى نعمة الله عليه لما يرى كيف ابتلى غيره وعافاه، فيكون في ذلك أكبر حجة عليه، وأكبر دافع له لعبادة الله وطاعته شكراً على النعمة، ويسعى لأداء حق الله في هذه النعمة فيستخدم جسده في طاعة ربه
بينما لو كان الخلق كلهم معافون صحيحون لما استشعر التام نعمة الله عليه لما يرى كل من حوله مثله.
3. أن يتواضع الصحيح التام الخلقة لربه وللناس لما يرى ويعلم أن ما به من قوة وصحة ليس فضلاً منه وبسببه أو ذكائه، وإنما هي مجرد نعمة ربه عليه وفضله، ولو شاء الله لكان حاله كحالهم ولابتلاه كما ابتلاهم.
روي في الحديث أن الله لما خلق آدم عليه ذريته من بعده "فقال الرب سبحانه : يا آدم هؤلاء ذريتك، وإذا فيهم الأجذم، والأبرص، والأعمى، وأنواع الأسقام، فقال آدم: يا رب لم فعلت هذا بذريتي؟ قال: كي تشكر نعمتي ».
أما كيفية التوفيق بين خلق الله بعض عباده ناقصي الخلقة وصفة العدل لله تعالى:
فيمكن فهم ذلك من نقطتين:
1. إن الظلم هو وضع الشيء في غير محله وحرمان الإنسان ما يستحقه، وليس هناك أحد يستحق على الله شيئاً أبداً، فوجودك أصلاً هي نعمة من الله وفضل منه، ولو شاء الله لم تخلق أصلاً، فالله لم يحرمك شيئاً هو من حقك أصلاً حتى يكون ظالماً لك في شيء.
2. أن الله لما يبتلي عبده بشيء فإنه يعطيه في المقابل، فلو حرمه نعمة البصر فإنه يعطيه نعمة الحفظ، وعلى هذا قس، حتى إنه كان من أكابر الناس والمقدمين فيهم من ابتلاه الله بشيء في خلقهم.
3. أن الله يعوض الصابر درجات عظيمة في الآخرة ورفعة في الجنة، فهو إن حرمه بعض الأمور في الدنيا فإنه يخلف عليه في الآخرة.
والله أعلم