من الأحاديث التي تثبت تحريم المزمار:
1. ما رواه البخاري رحمه الله في صحيحه عن " عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي: سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ، وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ، وَالمَعَازِفَ ".
وهذا الحديث صحيح وأخطأ من حكم عليه بالضعف.
فقوله عليه السلام (والمعازف) يشمل كل آلات العزف ومنها المزمار.
2. وعن نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما " أن ابنُ عُمرَ سمع مِزمارًا فوضعَ أصبُعَيْهِ في أذُنَيْهِ، وَنَأَى عَن الطَّريقِ وقالَ لي: يا نافعُ هل تسمَعُ شَيئًا؟ قلتُ: لا، فرَفعَ إصبُعَيْهِ مِن أذُنَيْهِ وقالَ: كُنتُ معَ النَّبيِّ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - وسمعَ مثلَ هذا وصنعَ مِثلَ هذا" (رواه أبو داود).
فهذا الحديث واضح أن ابن عمر أغلق أذنيه عن سماع المزمار ولو كان دون قصد منه، وفي هذا مزيد احتياط وورع فلم يرد أن يصل أذنه صوت المزمار، فلو كان سماعه مباحاً لما بالى ابن عمر بسماعه له.
3. وعن جابر بن عبد الله قال: "أخذ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بيدِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ فانطلق به إلى ابنِه إبراهيمَ فوجده يجودُ بنفسِه فأخذه النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فوضعه في حِجرهِ فبكى فقال عبدُ الرحمنِ أوَ تبكي أولم تكن نهيتَ عن البكاءِ قال لا ولكن نَهيتُ عن صوتَينِ أحمقَينِ صوتٌ عند مصيبةٍ خمشُ وجوهٍ وشقُّ جيوبٍ ورنَّةُ شيطانٍ وصوتٌ عند نغمةِ لعبٌ ولهوٌ ومزاميرُ شيطانٍ " (صححه الألباني في صحيح الجامع).
فقوله عليه السلام (وصوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير شيطان) يدخل فيه المزمار حقيقة ويدخل فيه سائر المعازف - إلا الدف-.
قال الإمام القرطبي رحمه الله " أما المزامير والأوتار والكوبة (الطبل) فلا يختلف في تحريم استماعها، ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك".
أما الحكمة من تحريم المزمار:
فهي نفس الحكمة من تحريم سائر المعازف والملاهي ويجمع هذه الحكمة قول ابن القيم رحمه الله (فالغناء يفسد القلب ومتى فاسد القلب هاج فيه النفاق).
فأدوات اللهو والغناء كاسمها (لهو) واللهو هو ما يلهي ويشغل القلب والنفس، فيصرفه عما هو نافع إلى ما هو ضار ومفسد له.
ولما كان القلب أساس صلاح البدن وفساده كما أخبر النبي عليه السلام (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، كان اهتمام الشريعة بتغذية القلب بالمادة التي تصلحه هو الأساس، وصلاح القلب هو بقربه من ربه وإنابته إليه وشغله به، فكل ما صرف القلب عن هذا فهو مفسد للقلب، والمعازف ومنها المزمار هي من هذه الملهيات المفسدات.
ووجه ذلك أن من كثر سماعه للغناء والمعازف يصبح قلبه لا يتحرك ولا يجد طرباً ولا أنساً إلا بمثل هذه المعازف، وهذا يصده عن تدبر القرآن والخشوع عنده ويصده عن ذكر الله تعالى والخشوع والحضور معه بالشكل النافع.
فالغناء والمعازف تصد القلب عن المادة النافعة وتشغله بما هو ضار، ويكفي في ضررها صدود القلب وقسوته عند ذكر الله وكتابه.
ولما سُئل القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن الغناء فقال للسائل:" أنهاك عنه وأكرهه. قال الرجل: أحرام هو؟ قال: انظر يا ابن أخي إذا ميّـز الله الحق من الباطل في أيهما يجعل الغناء؟".
ويقصد أنه لن يكون من الحق فهو إذن من الباطل قطعاً!
والله أعلم