الحديث إسناده صحيح وراه الإمام أحمد في مسنده : ونص الحديث كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلـم قال: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ»
- وهذا الحديث إنما هو عبارة عن مثل ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذم الرجال الذين يحرصون على الجاه والسلطان والمال!!
- فهو مثال لفساد دين المؤمن الحريص على المال والشرف في الدنيا، وأن هذا الحرص قد يكون سبباً في فساد الدين!!!
- بل هو أشد فساداً في دين المرء من فساد الغنم بذئبين ضاريين باتا في الغنم قد غاب عنها رعاتها ليلًا، فهما يأكلان الغنم ويفترسانها، ومعلوم أنه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين!!!
- والحرص على المال يأتي على نوعين :
1- شدة الحب مع شدة الطلب : فمن الناس من يكون حريصاً بشدة على محبة المال مع شدة الحرص في طلبه من وجوهه المباحة، والمبالغة في طلبه، والجد في تحصيله واكتسابه من وجوهه مع الجهد والمشقة ليل نهار. فهذا يضيع وقته وزمانه ووعمره،وقد يخاطر بنفسه في الدخول في سفر أو مخاطرة معينة في سبيل جمع المال وتكثيره، وقد يؤدي حق هذا المال في الزكاة والصدقات وقد لا يؤديه!!
2- الحرص في جمع المال سواء من حلال أو حرام!!! فيتعامل في سبيل الحصول على المال بالربا وبالطرق غير المشروعة والمحرمة (كغسيل الأموال، وأسواق الأوراق المالية ، والمخدرات، والسرقات، والرشوة، والظلم، وغيرها من الطرق) بل ويمنع حق الفقير والمحتاج منها!!
- فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَفَجَرُوا)خرجه أبوداود في سننه وصححه الألباني .
-والحرص على الشرف : المقصود به طلب الجاه والسلطان والرفعة والسمعة والرياسة على الناس والعلو في الأرض، وهذا أضر على العبد من طلب المال.
- والحرص على الشرف يأتي على نوعين كذلك هما :
1- الحرص الشديد على طلب الشرف عن طريق الرياسة والولاية والسلطان والمال والجاه طلب الشرف بالولاية، والسلطان، والمال - ومن كان هذا حرصه فقد منع نفسه من نصيب الآخرة !! قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾ سورة القصص: 83.
- والأصل في الشرع أن من حرص على الولاية والإمارة أن لا يُعطها : كما قال النبي صلى الله عليه وسلـم لعبد الرحمن بن سمرة: ( لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا ) متفق عليه .
- وعندما طلب الصحاب الجليل أبا ذر الإمارة أجابه النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها ) رواه مسلم.
- وسبب الذم في ذلك لأن من يحرص على طلب الشرف والولاية والمنصب لا يكن همه خدمة الناس وتقوى الله تعالى في عمله ، وخدمة بلده ووطنه ، بل يكون حرصه بسبب الظلم والتكبر والسرقةوجمع المال بأي طريقة ، وأن يثنى عليه من قبل الناس ، بمعنى أن يكون عمله رياء ونفاق !!
2- النوع الثاني من الحرص وهو الأخطر والشد جرماً وهو الحرص على الشرف والجاه والسلطان والعلو في الأرض من خلال التدين والعلم والزهد ، فهذا أفحش وأخطر من النوع الأول !! لأن العلم والتدين والعمل والزهد إنما يُطلب بها ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم، والقرب منه سبحانه وتعالى .
- فعلى المسلم : أن يسعى في تحصيل العلم والمال والشرف وفق منهج الله تعالى ،ومن خلال الإخلاص في النية والقول والعمل ومراقبة الله تعالى في السر والعلن ، وتحري الكسب الحلال من طرقه المشروعة ، وعدم صرف جل الوقت في كسبه ، فلا تكن الدنيا همه ولا أكبر علمه ، ولكن لتكن الدنيا بالنسبة له مزرعة للآخرة وطريقاً سهلاً لدخول الجنة برضا الله تعالى والعمل الصالح .