دعني أخبرك القليل عن فرجينيا وولف قبل أن أخبرك قصتها. هي أدالاين فرجينيا وولف (1882 - 1941)، وهي أديبة إنجليزية. لعل طفولتها كانت مضطربة جدًا، إلا أنها استطاعت إكمال تعليمها، ومع تشجيع والدها لها تقدمت في مجال الكتابة حتى أصبحت إحدى أيقونات الأدب للقرن العشرين.
هل سمعت قبلًا أصواتًا تتردد داخل رأسك؟ هل ترى الأمر على أنه جنون؟ ربما لم تسمع قبلًا عن ما قاله الروائي ديفيد ميتشل حيث ذكر أن الكتابة الأدبية نوع من أنواع اضطراب الشخصية، ولكن هذا النوع يمكنك أن تتحكم به. ووضح أن السبيل لذلك هو أن تترك الأصوات داخل رأسك تعمل وتتبادل الأدوار. ربما تعتقد انني أتكلم بشكلٍ مجازي، إلا أن الحقيقة الخاصة بـ فيرجينيا وولف أنها -كما وصفت- كانت تسمع لأصوات كثيرة داخل رأسها تسببت بإنتاجها الأدبي بالمرتبة الأولى، إلا أن ذلك احتاج تضحيات أخرى.
أما كيف اتضحت حالة فرجينيا وولف، فستشعر بذلك خلال قراءتك لأعمالها ومذكراتها وخطاباتها ورواياتها ومقالاتها. ربما كان نوعًا من رد الفعل على ما أصاب طفولتها. فتعرضت فرجينيا الصغيرة للتحرش الجنسي من إخوانها الغير شقيقين، ومن خسارة والدتها باكرًا، ثم شقيقتها الكبيرة التي كانت بمثابة أم، وبالطبع التنمر في خلال جميع تلك المراحل.
في أحد أعمال وولف الشهيرة (السيدة دالواي)، عرضت حالة المحارب القديم سيبتيموس سميث كانعكاس لما يدور داخل رأسها. حيث كانت أحداث الرواية قد حدثت في عام 1922، العام الذي ظهر فيه مفهوم "صدمة القصف"، حيث يتدهور حال سيبتيموس رغم استمرار محاولاته لشرح أفكاره للأطباء، إلا أن أحدًا لم يكن يصغي. فأخذ بيد نفسه وأنهى حياته ليتخلص من معاناته.
كان عمل "السيدة دالواي" أشبه بوصف مبطن للهوس الاكتئابي الذي كانت فرجينيا وولف تعاني منه، وكذلك الأمر مع زواجها الفوضوي، وذكريات طفولتها المؤلمة. ربما كان هدف وولف من هذا العمل هو أن تضيف معنًا لحياتها ومعاناتها في النهاية. أظهرت بوضوح ما يجول بنفسها من ألم حين ذكرت كيف أن الإنسان هو شخصٌ قوي حينما يستمر جاهدًا في الحياة. فكما قالت في نهاية روايتها، إن الموت هو التحدي.
في عام 1941، كتبت فيرجينيا وولف الخطاب التالي لأختها: "أشعر أنني ذهبت بعيدًا هذه المرة، ولن أتمكن من العودة مجددًا. فيبدو أن الأمر تمامًا كما كان في المرة الأولى، أسمع أصواتًا باستمرار، وأنا أعلم أنني لن أتغلب على هذا الآن، لقد حاربت ضده، لكنني لم أعد أستطيع ذلك". وفي اليوم التالي، خرجت وولف من بيتها مالئة جيوبها بالحجارة، لترمي نفسها في النهر الجاري، وتستسلم للعالم الذي كان يدور داخل رأسها.