تفسير قوله تعالى : (فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا )
(فاستطعما أهلها ) طلبا منهم الطعام بضيافة
جاءت في قصة سيدنا موسى مع الرجل الصالح (الخضر ) أنهما أتيا إلى قرية أهلها بخلاء أو لئام فلم يطعماهما ولم يضيفاهمها فوجد فيها جدارا مائلا على وشك السقوط فعدله ورده إلى وضعه بيده فعجب سيدنا موسى من فعله أنه فعله بالمجان مع أنهم كانا جائعين ولم يطعيموهما فقال كما جاء في قوله تعالى (لو شئت لاتخذت عليه أجرا) .
قصة سيدنا موسى والخضر
ذكر ابن كثير قصة الخضر مع موسى عليه السلام في كتابه البداية والنهاية أن موسى عليه السلام قام يوما
يخطب في بني لإسرائيل خطيبا فسءل أي الناس أعلم ؟
فقال : أنا
فعتب الله عليه وأخبره أن هناك رجلا في مجمع البحرين أعلم منك
فأرشده كيف يصل إليه فأخبره أن يأخذ معه حوتا أينما فقد تكون هي وجهته في طريق فأخذ موسى عليه السلام معه فتاه وكان معهما الحوت وهما في طريقهما وضعا رؤوسها على صخرة وناما وكان قد فقدا الحوت وفي اليوم التالي أكملا رحلتهما وبعد مدة وكان موسى عليه السلام قد ابتعد عن المكان المطلوب سأل فتاه عن الحوت فقال له أنه قد نسيه وقد جاءت هذه القصة في سورة الكهف بقوله تعالى : (قَالَ لِفَتَاهُ أتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ،،قال تعالى : (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا )
(قال ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا ) قال: فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب، فسلم عليه موسى.
فقال الخضر: وإني بأرضك السلام.
قال: أنا موسى.
قال: موسى بني إسرائيل؟
قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا.
( قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا )يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله، لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه،( قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. )
قال له الخضر: ( فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ) فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينة.
فمرت بهما سفينة فكلمهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها ( لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وكانت الأولى من موسى نسيانًا.
قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.
ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ بصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ( أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرً) .
قال: وهذه أشد من الأولى، ( قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) قال: مائل.
فقال الخضر بيده ( فَأَقَامَهُ ) فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ( لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما .