لماذا يستمتع النّاس بصوت فيروز ولم أشعر بأنّها تصرخ في الكثير من الأحيان؟

إجابة
rate image أضف إجابة
حقل النص مطلوب.
يرجى الانتظار
إلغاء
profile image
أريج عالية educational consultant في freelance (٢٠١٨-حالياً) . 1611511866
       عندما نتحدث عن أيقونتنا فيروز، قيثارة الغناء العربي، وجارة القمر وسفيرتنا إلى النجوم، فإننا نتحدث عن همسات الصباح، ونسمات الحنين، ونفحات من الحب والهوى والعشق للهدوء والرقة والشاعرية الرقيقة التي تلامس الفؤاد، فتقتطف قطعة من الفؤاد لتمضي بها بعيدًا إلى السحاب حاملةً الهوى والجوى والحنين. مع رشفات القهوة الصباحية تداعب تلك الحبيبة بأوتارها العذبة ملكات قلبي، تلك الحبيبة التي تتسلل من مذياع أمي مع رشفات قهوتها الصباحية، من "فايق يا هوى" إلى " نطرونا كتير" إلى "سألتك حبيبي"... ذكريات مدرستي، وعبق الماضي، التي تلاقت عندها الأرواح وتفتقت عندها المشاعر.  أيقونتنا التي اجتمع عليها الشرق والغرب، وتآلفت عليها قلوب الأوروبيين قبل العرب، وتناثرت أنغامها محلقةً نحو فضاء الكون، لتصدح شذىً وعبيرًا وأقحوانًا. 

     على الرغم من اختلاف أذواقنا وأن للناس فيما يعشقون مذاهب إلا أنني لا أستطيع تفسير ظاهرة وجود أشخاص لا يحبون سماع  صوتي فيروز وأم كلثوم. لذا قمت ببعض البحث، لأكتشف أن هناك معالجة للأصوات بجهازنا السمعي بناءً على الترددات الموجية، ثم تقوم القوقعة بتشفيرها وإرسالها للقشرة السمعية وهنا تصبح النغمة قياسية، لتضيف لها مناطق أخرى الجودة والجِرس. تشير بعض الدراسات أنه يتم تنشيط مناطق متعددة من خلال الاستماع لهذه النغمات. 

     وجدت دراسة كبيرة أجريت على أكثر من 4000 مشارك في المملكة المتحدة بقيادة عالم النفس والباحث بجامعة كامبريدج ديفيد جرينبيرج وجود علاقة واضحة بين أنواع الدماغ أو أنماط التفكير والتفضيلات الموسيقية. قسمت الدراسة الموضوعات إلى ثلاث فئات: 

 * المتعاطفون أو النوع E، الذين يركزون على أفكار الناس ومشاعرهم؛ فوجدوا أنهم يميلون إلى الإعجاب بالأغاني منخفضة الطاقة ذات العمق العاطفي، بما في ذلك الأغاني الحزينة وأنواع مثل موسيقى الروك الناعمة وكتاب الأغاني والمغنيين.

* المنظمون أو النوع S
، الذين يركزون على القواعد والأنظمة؛ فوجدوا أنهم يميلون إلى تفضيل الموسيقى الأكثر كثافة وهيكلية مثل الهيفي ميتال - أو الموسيقى الكلاسيكية.

* المتوازنون أو النوع B، الذين يركزون بالتساوي على كلا المجالين؛ أي الذين لديهم نطاق أوسع من التفضيلات من أي من الأنواع الأخرى.

     في عام 2011، افترض أستاذ في ولاية أوهايو أن الاستماع إلى الموسيقى الحزينة، سينتج هرمون البرولاكتين، الذي تفرزه الغدة النخامية عادةً ويحث على الشعور بالهدوء والاسترخاء. تشير أبحاث أخرى أيضًا إلى تورط هرمون الأوكسيتوسين، الذي ربطته بعض الدراسات بالاستماع إلى الموسيقى البطيئة الهادئة. يتم إفراز هذه الهرمونات عند الاستماع لموسيقى معينة حسب طبيعة أنواع الدماغ، يبدو أن بعض الأدلة تشير إلى أن الأشخاص من النوع E، لديهم منطقة تحت المهاد أكبر من المتوسط في الدماغ، وهي المنطقة التي تحكم إفراز الغدة النخامية والبرولاكتين. وفي الشخصيات من النوع S، تشير الدلائل إلى أن مناطق الدماغ التي تنظم التفكير التحليلي (المناطق الحزامية والظهرية الإنسيّة قبل الجبهية) أكبر.  

     كما أن الحالة المزاجية تؤثر على اختيار الموسيقى التي نستمع إليها. وجدت الدراسة أن الأشخاص المكتئبين يميلون إلى البحث عن الموسيقى الحزينة والاستماع إليها. كما يبدو من المنطقي الاستماع إلى الموسيقى المتفائلة لتبديد الحالة المزاجية السيئة. تم سؤال الأشخاص الخاضعين للدراسة الخاضعة للرقابة، والذين تم تشخيصهم جميعًا بالاكتئاب عن خياراتهم، فقال الغالبية إن الموسيقى الحزينة جعلتهم يشعرون بالهدوء والاسترخاء. فضلوا أيضًا ما أسماه الباحثون موسيقى "منخفضة الطاقة"، والتي ذكروا أيضًا أنها ذات تأثير مهدئ. إنه يتعارض مع فرضية الدراسة، والتي توقعت أن الأفراد المكتئبين يتطلعون إلى التمسك بمشاعرهم السلبية. 

    وجدت أبحاث أخرى صلة بين أنواع الشخصية العامة وتفضيلات النوع. في ظل نموذج Five Factor لتحليل أنواع الشخصية، (والذي يشمل أيضًا الضمير، والانبساط، والموافقة، والعصابية) يميل أولئك المنفتحون على التجارب الجديدة إلى تفضيل الموسيقى الكلاسيكية، إلى جانب موسيقى البلوز والجاز والموسيقى الشعبية. يُظهر الأشخاص في هذه الفئة الخيال ولديهم حساسية تجاه الجماليات إلى جانب المشاعر الداخلية، هم فضوليون فكريا. لذا تجد ذائقتهم الموسيقية مختلفة ومتنوعة. فبمجرد أن نختار النوع الذي نفضله  فإنه يضيف طبقة أخرى للتجربة النفسية والجسدية للاستماع. بغض النظر عن نوع الموسيقى الذي نفضله، فإن الاستماع إليها يثير الأفكار والذكريات الشخصية والفردية. ربطت بعض الأبحاث هذه الظاهرة بالنشاط في دارات دماغية محددة مرتبطة بالتفكير والذاكرة. عند الاستماع إلى مقطوعة مفضلة، يتغير نوع الاتصال بين المناطق السمعية في الدماغ والحُصين (منطقة آمون في المخ) التي تشارك في الذاكرة والمعالجة العاطفية. لذا أنا أحب موسيقى ومغنية معينة، وأنت لا تحبها. هذا أمر طبيعي. 

    قد لا نتلاقى جميعًا عند فيروز، فأنا أعشق مداعبتها لأوتار قلبي، وأنت تراها تصرخ. أنا أرى أن معظم أغاني الشارع والمهرجانات تقلل من هيبة الفن، وأنت تراها ممتعة وذات حداثة. فلا أنا أُعتبر من الجيل القديم أو " دقّة قديمة" إذ تعجبني بعض الأغاني ذات الوتيرة السريعة، ولا أنت تُعتبر من ذوي الذوق السيء. فقط الأمر ينحصر في الذائقة الفنية؛ فلكل منا أذن موسيقية تلتقط ما تهواه وترغب، وما تعوّد عليه. كما أن من حقّك انتقاد من شئت؛ لكن بدليل. من حقك أن تحلق خارج السرب، وتنتقد بعض أغاني فيروز، حيث أشاركك نقدك هذا. فأغانيها الجديدة لا تعجبني، حيث انتقلت طبقة صوتها الحاني الهادئ الناعم، إلى طبقة السبرانو العالي والتوجه نحو مساحات واسعة في طبقة القرار مما أثرّ -برأيي الشخصي- على ما اعتادته أذني، فطرقت  إيقاعات  أغانيها الجديدة  تبعيات الحياة الصاخبة، التي تنوء بعيدًا عن الشاعرية والقصة المرئية بأوتارها الصوتية، والصور التعبيرية الشفافة. لن أكون كما باقي الناس، جبهات المعارضة الشديدة للمس الجدار المحيط للأيقونة وكأنها تابو أو ركن مقدس، بل لن أكون بعقلية " العقل الجمعي" في قمع أدمغتنا من انتقاد ما لا أحبه. فأحب من تحبه وسأحب من أحب، فكل منًا له ذائقته وشخصيته ودماغه الموسيقية. 

المراجع: 

https://www.ludwig-van.com/toronto/2019/05/31/report-why-we-like-certain-music-the-brain-and-musical-preference/ 
18 مشاهدة
share تأييد