لأنه ربما يقع الشخص الذي يجادل في الضلال وفي الوقوع في الشك حتى أنه ريما يصل إلى حد الكفر أيضا، ولأن الهدف منه هو الترويج لفكرة معينة أو مذهب أو قانون أو رأي لشيخ معين أو جماعة معينة من غير أن يكون الهدف منه نصرة الحق وأهله.
- فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المراء في القرآن كفر) حسنه الألباني.
- ففي حديث آخر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [سورة الزخرف: 58]
- أي أن سبب ضلالتهم ووقوعهم في الكفر هو الجدال، وهو الخصومة بالباطل مع نبيهم، وطلب المعجزة منه عنادًا أو جحودًا.
- فالجدال محرم بينما المناظرة جائزة وهي مقابلة الحجة بالحجة، والدليل بالدليل والهدف منها إظهار الحق والصواب وهذا يعتبر فرض كفاية في شرعنا إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
- وهذا لا ينفي التنازع في الأحكام فهو جائز إجماعًا، إنما المحذور هو الجدال الذي يكون عن جهل، وليس فيع علم ولا دليل ولا صواب ولا يعرف منه حق ولا باطل.
-وقد ورد عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصم) أي الذي لا يعترف بحق لمستحقه، بل يظلم الناس، ويكون شديد الخصومة حاذق بها فقد استحقَّ فاعل ذلك بغضة الله وأليم عقابه.
- ومن أقبح أنواع الجدال والخصومة أن تكون في كلام الله تعالى - بحيث يصير كل شخص يجادل بالقرآن حسب هواه ورأيه الفاسد ومنهجه الضال، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الطبراني في الكبير، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: (كُنَّا نَتَذَاكَرُ الْقُرْآنَ عِنْدَ بَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ يَنْزِعُ هَذَا بِآيَةٍ، وَهَذَا بِآيَةٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ)، فَقَالَ: "يَا هَؤُلَاءِ! أَلِهَذَا بُعِثْتُمْ؟! أَمْ بِهَذَا أُمِرْتُمْ؟! لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".
- أما إذا كان الاستشهاد بآيات القرآن الكريم من أجل أخذ الأحكام منها فيختلف الأمر، لأن معرفة الحلال والحرام من كتاب الله تعالى هو المنهج الذي سار ويسير عليه العلماء في كتب الفقه وغيرها وهدفهم من ذلك هو الخروج للناس بحكم شرعي.
- وعليه: فقد جاءت الدعوة النبوية بترك المراء والجدال لأن الإسلام يريد للمجتمع المسلم الوحدة والتلاحم والترابط والقوة والمنعة والوحدة، والجدال ينسف هذه الأمور جميعها، لذلك جاء النهي عنه ليبقى الصف المسلم قوياً متماسكاً.
- كما الهدي القرآني والنبوي واضح فالحلال بيّن والحرام بيّن فلا داعي للجدال المذموم المؤدي بصاحبيه إلى الحقد والكره والشك والكفر!
- وقد حث الإسلام على العلم وطلبه وعلى التحدث - وخاصة في الأمور الدينية - عن دراية وأن يكون الدليل هو المتبع للطرفين، وأن يكون الهدف من المناظرة إظهار الحق ونصرته مدعماً بالحجج والبراهين الداعمة له.
- ومن فوائد ترك الجدال الإنشغال بالطاعات وترك المحرمات والمسارعة إلى نفع الناس والعمل الخيري العام.
- فقد ثبت من خلال الواقع الذي يكثر الجدال شخص لا يعلم ولا يعمل بل يجلس ينتقد الناس من غير دليل واضح، ولو كان يعلم أو يعمل لأنشغل بنفسه عن عيوب الآخرين، أو قدّم علمه للناس بالطريقة الصحيحة بعيداً عن المراء والجدال.