بر الوالدين ليس له علاقة بالنزاع بين الأب والأم ، بل من البر السعي في الإصلاح بينهما .
- فالله تعالى لم يفرق في البر بين الوالدين في قوله تعالى : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً* رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً) سورة الإسراء (23ـ25).
- فجاء خطاب البر للوالدين معاً دون تفريق ، وهذا لا يتعارض مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم في إجابته للسائل الذي سأل من أحق الناس بحسن صحبتي ؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك ) متفق عليه.
- ولا يوجد تعارض بين هذا الحديث وبين قوله تعالى أعلاه ، ففي باب الصحبة والقرب والمودة والجانب العاطفي فالأم مقدمة على الأب بثلاثة أمور وهي الحمل والولادة والتربية والرعاية وهو غير .
- ومن العلماء من قال أن الأم مقدمة على بر الأب ، ومنهم من قال أن الأب مقدم على بر الأم .
- وللتوفيق بين الآراء نقول : أن بر الأم مقدم على بر الأب في المعاشرة والمخالطة وحسن الصحبة .فمثل هذه الأمور يحصل فيها التفاهم والملاطفة والإقناع وغيره .
- بينما يقدم بر الأب في الأمور الحياتية ،فالذي يدبره هو أبوه، وليس أمه التي تدبره، فوليه الأب، فيجب عليه أن يطيعه في مثل هذه الأمور، إلا فيما يلحقه به ضرر أو يحصل له عنت أو نحو هذا، لكن الذي يأمره وينهاه فيما يتعلق بأموره الحياتية هو أبوه؛ لأنه هو وليه، الأب هو الذي يطالبه أن يدرس، يذهب به إلى المدرسة، يدرس في هذه المدرسة أو تلك، إلى آخره، أمه تقول: لا، أريده أن يدرس في مدرسة خاصة، ليس هذا للأم، إنما هو للأب، القرار الأول والأخير للأب، لماذا؟ لأنه هو الولي،
- أما في المعاشرة والمخالطة وحسن الصحبة فالأم ثلاثة أضعاف الأب من التلطف، يعني: إذا كان الإنسان مأمورًا ببر أبيه والتلطف به، والإحسان إليه، فماذا يصنع مع أمه؟، ثلاثة أضعاف، ولهذا كان ابن سيرين -رحمه الله- إذا كلّم أمه مَن لا يعرفه يظن أنه مريض، كأنه ضارع، يتضرع بصوت منخفض جدًّا، وبغاية التذلل والتواضع، هكذا يصنع مع أمه، وما كان يأكل معها؛ يخاف أن تمتد عينها إلى شيء ثم تسبق يده إليه، من شدة بره بها، فيتلطف الإنسان غاية التلطف، يقبّل رأسها، ويدها، ويكلمها بأحسن عبارة، وبألطف أسلوب، ولا يرفع صوته، ولا ينصب يده في وجه أبيه ولا أمه، ولهذا قال بعض السلف: ما بر أبويه من مد إليهما النظر.
- وعليه : فيجب عليك بر والديك والتوفيق في برهما فبر الأم يكون في المشاعر والتلاطف وحسن الصحبة ، وبر الأب يكون في غستشارته وسماع كلامه وتنفيذ أوامره بما يوافق الشرع والقدرة .
- كما أن يتعين عليك السعي إلى الإصلاح بينهما وتوسيط أهل الخير والثقة والدين والخبرة في ذلك .